الأربعاء , فبراير 21 2024

في بلد الحضارات “عالقون.. محروقون.. وعطشى”

جائحة صحية عالمية، قرارات حكومية، فقر مدقع، كل هذا اجتمع في ذات المكان والزمان ليدفع ثمنه مواطنون سوريون وقعوا بين ناريين، نار السعي خلف رزقهم في لبنان و نار الهروب من جائحة كورونا، وحين قرروا العودة إلى وطنهم وجدوا نفسهم بين حدين، حيث تفاجئوا بقرار يفرض عليهم تصريف مئة دولار أمريكي حتى يستطيعون دخول وطنهم، ولعدم توفر هذا المبلغ اضطروا لسلك طرق غير شرعية لدخول إلى بلدهم وأيضاً لم يستطيعون الدخول لأن القوانين السورية من جهة تتماشى مع الإجراءات الاحترازية الدولية لجائحة كورونا، ومن جهة أخرى تعمل على ضبط حدودها الجنوبية، فالأعداد الكبيرة للعالقين تعيق عمل المسؤولين من دخولهم إلى الحدود السورية، وحين قرر المواطنون العالقون العودة إلى لبنان تفاجئوا بمنعهم من الدخول إلى الحدود اللبنانية وذلك بسبب خروجهم بشكل غير شرعي، الأمر الذي جعل هؤلاء المواطنون عالقون على الحدود السورية اللبنانية منذ عدة شهور وما زالوا حتى هذه اللحظة.

الحدود السورية اللبنانية - سكلوز
الحدود السورية اللبنانية – سكلوز

 

يذكر بأن مصدر مسؤول على جديدة يابوس الحدودية قام في حزيران الفائت بنقل 900 مواطن إلى الحدود السورية وذلك بعد أن أمنت لهم مراكز حجر صحية وتم التصريح أثنائها من الجانب السوري أن الحدود السورية اللبنانية ستبقى مغلقة حتى أشعار آخر ويأتي هذا تماشياً مع الإجراءات الاحترازية الدولية لمنع انتشار فيروس كورونا، أما الجانب لبناني فقد فتح حدوده يومين في الأسبوع لدخول السوريين من أمهات لبنانيات واللبنانيون الموجودون على الأراضي السورية.

في منشور على موقع التواصل الاجتماعي”فيس بوك” قام بنشره أحد العالقين على الحدود وأرفق معه صورة لشبان يفترشون الأرض و ينامون، منوهاً أن الصورة فات عليها ما يقارب الشهر ونصف والأمور ما زالت على وضعها حيث قال في منشوره: “يبيت العالقين حالياً ضمن مسافة 1,7 كلم هي المسافة الفاصلة بين معبر “جديدة يابوس” ومعبر “المصنع” اللبناني. حيث يفترشون الأرض ولا يجدون مورداً للطعام أو الشراب سوى عطف سائقي الشاحنات التي تعبر بين الحدود ويقاسمهم سائقوها ما يتوفر لديهم من ماء وغذاء وشحن بطاريات.”

الحدود السورية اللبنانية 2 - سكلوز
الحدود السورية اللبنانية 2 – سكلوز

 

ونوه أيضاً ممتعضاً من تصريح مدير الهجرة و الجوازات السورية الذي قاله في لقاء أجرته معه إذاعة “نينار” السورية ضمن برنامج “فوق الطاولة” و جاء فيه: أن قرار مجلس الوزراء واضح و على من يود الدخول إلى سورية عليه تصريف مئة دولار حتى يسمح له بالدخول، ومن لا يملك المبلغ يمكنه الاتصال بأقاربه لتأمين المئة دولار وهو ينتظر على الحدود”
وأضاف أيضاً “لا يسمح له بالدخول وهنا أصبح أسمه عالق و لكنه موجود لدينا و ليس بين الحدين هو جالس بشكل طبيعي و يتناول طعامه و شرابه كالمعتاد و يمارس حياته بشكل طبيعي و لكن لا يسمح له بالدخول ريثما يجلب له ذويه المئة دولار أو ما يعادلها من العملات الأجنبية المقرر تصريفها وفق تعليمات مجلس الوزراء”

الجدير بالذكر أن أغلب المواطنين العالقين على الحدود السورية اللبنانية هم من أبناء كافة أنحاء “الريف السوري” وأغلبهم عمال مياومة ذهبوا إلى لبنان بقصد العمل في معامل قص الرخام و غيرها من الأعمال الشاقة مع العلم أن أجرهم الشهري لا يكفيهم للعيش في ظل ظروف معيشية صعبة تجتاح العالم بأسره ليجدون أنفسهم مطالبون بمبلغ يفوق قدرتهم مع العلم أن السبب الرئيسي لذهابهم هو توفير بعض النقود وإرسالها إلى ذويهم في سورية الأمر الذي يجعلنا مدركون بأن ذويهم لا يستطيعون تخليصهم من حياة الحدود “الماغوطية”

نحن هنا لسنا بصدد من سافر إلى لبنان قبل جائحة كورونا بقصد السياحة أو عقد صفقات تجارية بل نحن بصدد يد عاملة من المفروض التمسك بها وتوفير فرص عمل لها أسوة بالبلدان التي فتحت باب اللجوء أمام ملايين اللاجئين العرب وخصصوهم برواتب شهرية والهدف بالدرجة الأولى هو رفد بلدانهم باليد العاملة.

تتزامن هذه المأساة مع مأساة أخرى يعاني منها أبناء الريف السوري على الطرف الآخر من البلاد، وتحديداً في قرى الساحل السوري وقرى حمص و حماه وسط البلاد حيث النيران مازالت تلتهم هويتهم الريفية وذكرياتهم، تلتهم أحراجهم، رغم الجهود المبذولة من قوى الدفاع المدني وفرق الإطفاء إلا أنه لم يصدر أي بيان رسمي يفسر حقيقة ما يحصل هناك في أشهر محددة من كل عام على التوالي.

حرائق الغابات السورية - سكلوز
حرائق الغابات السورية – سكلوز

 

شهور صيفية خريفية تعتبر فترة سياحة و ترفيه عند أغلب بلدان العالم أما عند المواطن السوري فهي أشهر الشقاء، فالمطلوب منه في شهري أيلول و تشرين يفوق القدرة الإنتاجية له ولكل عائلته، فمن تأمين المئونة إلى تأمين أبنائه في المدارس وصولاً إلى تأمين المحروقات لتفادي برد وأمراض الشتاء  لكن بعد حريق أُضرم بغاباته أصبح بعدها حتى الحطب الغير شرعي ضرب من الخيال.

يبدو أن أبناء الريف السوري أصبحوا خارج دائرة اهتمام المسؤولين بعد حرب جائرة افتعلت منذ ما يقارب العشرة أعوام وكل عام يكون أصعب من الذي سبقه ولكن هذا العام 2020 طالت سكاكينه القاصي و الداني في البلاد، فمع جائحة كورونا وقانون قيصر الأميركي، أصبح المواطن السوري “يشهق ولا يلحق” ما أن يخلص من كارثة حتى تأتيه غيرها، فكيف إذا اجتمعت كلها في وقت واحد يصبح لديهم في الحسكة كارثة مياه الشرب وفي الساحل ووسط البلاد حرائق لا مطفئ لها سوى خالقها وفي جنوب البلاد مواطنون عالقون منذ أشهر على الحدود.

 

انقطاع الماء عن الحسكة - سكلوز
انقطاع الماء عن الحسكة – سكلوز

 

كنان خضور

 

عن kkh